جلال الدين السيوطي
46
گزيدهء الاتقان في علوم القرآن
وقوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ « 1 » الآية . عدل عن اللام إلى « في » في الأربعة الأخيرة إيذانا إلى أنهم أكثر استحقاقا للمتصدق عليهم بمن سبق ذكره باللام ؛ لأن « في » للوعاء . فنبه باستعمالها على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم كما يوضع الشيء في وعائه مستقرا فيه . وقال الفارسي إنما قال « وفي الرقاب » ولم يقل « وللرقاب » ليدل على أن العبد لا يملك . وعن ابن عباس قال الحمد للّه الذي قال عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ « 2 » ولم يقل « في صلاتهم » . وسيأتي ذكر كثير من أشباه ذلك ، وهذا سردها مرتبة على حروف المعجم ، وقد أفرد هذا النوع بالتصنيف خلائق من المتقدمين كالهروي في « الأزهية » والمتأخرين كابن أم قاسم في « الجنى الداني » . 1 . الهمزة تأتي على وجهين : أحدها الاستفهام وحقيقته طلب الإفهام . وهي أصل أدواته ومن ثم اختصت بأمور : أحدها جواز حذفها كما سيأتي في النوع السادس والخمسين . ثانيها أنها ترد لطلب التصور والتصديق بخلاف هل ، فإنها للتصديق خاصة ، وسائر الأدوات للتصور خاصة . ثالثها إنها تدخل على الإثبات نحو أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً « 3 » آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ * « 4 » وعلى النفي نحو أَ لَمْ نَشْرَحْ « 5 » وتفيد حينئذ معنيين : أحدهما التذكر والتنبيه ، كالمثال المذكور وكقوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ « 6 » والآخر التعجب من الأمر العظيم ، كقوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ « 7 » وفي كلا الحالين هي تحذير نحو أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ « 8 » .
--> ( 1 ) . التوبة / 60 . ( 2 ) . الماعون / 5 . ( 3 ) . يونس / 2 . ( 4 ) . الانعام / 143 . ( 5 ) . الشرح / 1 . ( 6 ) . الفرقان / 45 . ( 7 ) . البقرة / 243 . ( 8 ) . المرسلات / 16 .